مقدمة
تعتمد مؤسسات القطاع غير الربحي بصورة متزايدة على الشراكات لتنفيذ البرامج والوصول إلى المجتمعات وتبادل الخبرات وتوسيع نطاق الأثر. وقد يكون الشريك جمعية محلية، أو مؤسسة دولية، أو جهة حكومية، أو شركة، أو مؤسسة أكاديمية، أو جهة تتولى تنفيذ جزء من المشروع أو إدارة موارد نيابة عن المؤسسة.
لكن الشراكة لا تنقل القدرات فقط؛ بل قد تنقل المخاطر أيضًا.
فقد يمتلك الشريك خبرة ميدانية ممتازة، لكنه يعاني ضعفًا في الإدارة المالية. وقد تكون لديه قدرات تشغيلية قوية، لكن أنظمة الحوكمة أو حماية البيانات أو إدارة الشكاوى لديه غير كافية. وقد تظهر في حالات أخرى مشكلات أكثر جوهرية تتعلق بالنزاهة أو الوضع القانوني أو تضارب المصالح.
لهذا لا يكفي أن تسأل المؤسسة:
هل نعرف هذا الشريك؟ وهل لديه سمعة جيدة؟
بل يجب أن تسأل:
ما المخاطر المرتبطة بهذه الشراكة تحديدًا؟ وهل نملك معلومات وأدلة كافية لاتخاذ قرار مسؤول بشأنها؟
من هنا تأتي العناية الواجبة بالشركاء (Partner Due Diligence) بوصفها عملية منهجية للتحقق من الشريك، وفهم قدراته ومخاطره، وتحديد ما إذا كانت المؤسسة تستطيع الدخول معه في علاقة، وتحت أي شروط وضوابط.
وهي ليست تعبيرًا عن انعدام الثقة، بل ممارسة للحوكمة وإدارة المخاطر وحماية المؤسسة والمستفيدين والموارد.
كما أنها لا تنتهي عند توقيع الاتفاقية؛ فالمعلومات والمخاطر والظروف قد تتغير طوال دورة الشراكة.
ويطور هذا المقال الإطار الأصلي للعناية الواجبة بالشركاء، بما يشمل التقييم القانوني والمالي والمؤسسي والامتثال والسمعة، وأدوات التحقق، وتصنيف المخاطر، والمتابعة، والحوكمة ومتطلبات المانحين، مع إضافة منهج أكثر اعتمادًا على المخاطر في اتخاذ قرار الشراكة.
أولًا: ما المقصود بالعناية الواجبة بالشركاء؟
العناية الواجبة بالشركاء هي عملية منظمة لجمع المعلومات والتحقق منها وتحليلها لتقييم أهلية الشريك وقدراته والمخاطر المرتبطة بالتعامل معه قبل منحه مسؤوليات أو موارد، ثم متابعة تلك المخاطر خلال العلاقة.
وتساعد العملية على الإجابة عن أسئلة مثل:
- هل يمتلك الشريك وضعًا قانونيًا سليمًا؟
- من المخول بتمثيله واتخاذ القرارات باسمه؟
- هل يمتلك القدرة المؤسسية والتشغيلية لتنفيذ الالتزامات؟
- هل لديه أنظمة مالية ورقابية مناسبة؟
- هل توجد مشكلات جوهرية في الحوكمة أو النزاهة أو الامتثال؟
- هل توجد حالات تضارب مصالح ينبغي الإفصاح عنها؟
- هل تتوافق سياساته وممارساته مع متطلبات المشروع والمانح؟
- ما المخاطر المرتبطة بالشراكة؟
- هل يمكن معالجة هذه المخاطر، أم أنها تتجاوز المستوى المقبول؟
إذًا، الهدف ليس جمع أكبر عدد ممكن من الوثائق، وإنما الحصول على الأدلة اللازمة لاتخاذ قرار متناسب مع مستوى المخاطر.
ثانيًا: العناية الواجبة يجب أن تكون قائمة على المخاطر
ليس من المنطقي تطبيق المستوى نفسه من الفحص على جميع الشركاء.
فالشريك الذي سيشارك في فعالية محدودة دون إدارة أموال لا يمثل مستوى المخاطر نفسه الذي يمثله شريك سيتلقى منحة كبيرة، أو يدير بيانات حساسة للمستفيدين، أو ينفذ أنشطة ميدانية في بيئة عالية المخاطر.
لذلك، يجب أن يكون المبدأ:
كلما ارتفع مستوى المخاطر، ارتفع مستوى التحقق والضوابط والمتابعة المطلوبة.
وقد تؤثر في نطاق العناية الواجبة عوامل مثل:
- قيمة الأموال أو الأصول التي سيديرها الشريك.
- طبيعة الأنشطة.
- الوصول إلى المستفيدين.
- التعامل مع الأطفال أو الفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
- الوصول إلى البيانات الشخصية أو الحساسة.
- البيئة الجغرافية والأمنية.
- استخدام أطراف فرعية.
- مدة الشراكة.
- الخبرة السابقة مع الشريك.
- المتطلبات القانونية ومتطلبات المانح.
وبذلك تصبح العملية:
Partnership Context → Initial Risk Screening → Proportionate Due Diligence → Risk Rating → Decision → Controls → Monitoring → Reassessment
ثالثًا: متى تبدأ العناية الواجبة؟
يجب أن تبدأ قبل إنشاء التزام يصعب التراجع عنه.
ومن الحالات التي تستدعيها:
- قبل توقيع اتفاقية شراكة.
- قبل تحويل منح أو موارد إلى جهة أخرى.
- قبل إسناد جزء من التنفيذ إلى شريك.
- عند الدخول في تحالف أو ائتلاف.
- عند اختيار شريك استراتيجي طويل الأجل.
- عند زيادة جوهرية في قيمة التمويل أو نطاق المسؤولية.
- عند ظهور معلومات جديدة قد تغير مستوى المخاطر.
- عند حدوث تغير جوهري في الوضع القانوني أو الإداري أو التشغيلي للشريك.
ولا يعني ذلك بالضرورة إعادة العملية كاملة في كل مرة؛ وإنما يجب أن يكون نطاق إعادة التقييم متناسبًا مع التغيير والمخاطر الناتجة عنه.
رابعًا: ابدأ بـ Initial Screening قبل التقييم الكامل
قبل طلب عشرات الوثائق، يمكن إجراء فحص أولي يساعد المؤسسة على تحديد نطاق العناية الواجبة واكتشاف الإشارات التي تستدعي تحققًا أعمق.
وقد يشمل، وفق طبيعة الشريك والمتطلبات المنطبقة:
التحقق من الهوية والوضع القانوني
- الاسم القانوني.
- التسجيل والترخيص.
- العنوان والمعلومات المؤسسية.
- الأشخاص المخولون بالتوقيع.
- أعضاء الإدارة أو المسؤولون الرئيسيون حيث يلزم.
وبالنسبة لبعض أنواع الكيانات، قد يكون من الضروري أيضًا فهم الملكية أو السيطرة الفعلية (Beneficial Ownership / Control) وفقًا للقانون والسياق.
تضارب المصالح
يجب التحقق مما إذا كانت توجد علاقات مالية أو شخصية أو إدارية بين الشريك والأشخاص المشاركين في اختياره قد تؤثر في استقلالية القرار.
الفحوص المرتبطة بالنزاهة والامتثال
بحسب القانون والسياق ومتطلبات الجهة المانحة، قد تكون هناك حاجة إلى فحوص مرتبطة بالعقوبات أو القيود القانونية ذات الصلة، ومؤشرات الاحتيال أو الفساد أو المخالفات الجسيمة.
الهدف من Screening ليس إصدار حكم سريع، بل تحديد:
هل توجد أسباب تستدعي فحصًا أعمق قبل الاستمرار؟
خامسًا: ماذا يجب أن نقيم؟
يجب أن يكون التقييم شاملًا بالقدر الذي تتطلبه مخاطر العلاقة، وألا يقتصر على الوضع القانوني أو البيانات المالية.
1. التقييم القانوني
قد يشمل:
- التسجيل القانوني.
- التراخيص المطلوبة.
- صلاحية التمثيل والتوقيع.
- الالتزامات التنظيمية ذات العلاقة.
- أي قيود قد تؤثر في تنفيذ الاتفاقية.
2. التقييم المالي
ويبحث في قدرة الشريك على إدارة الأموال بصورة سليمة، مثل:
- الأنظمة المحاسبية.
- الفصل بين الصلاحيات.
- الموافقات المالية.
- إدارة الحسابات البنكية.
- إعداد التقارير المالية.
- التدقيق.
- المشتريات.
- إدارة النقد والأصول.
- معالجة الملاحظات المالية السابقة.
3. الحوكمة والقدرة المؤسسية
ويشمل:
- الهيكل التنظيمي.
- مجلس الإدارة أو الجهة الحاكمة.
- توزيع الصلاحيات.
- الموارد البشرية.
- الخبرة السابقة.
- القدرات الإدارية.
- وجود سياسات وإجراءات مؤسسية.
4. القدرة التشغيلية
السؤال هنا:
هل يستطيع الشريك تنفيذ ما نطلبه منه فعلًا؟
وقد يشمل ذلك:
- الخبرة الفنية.
- توفر الموظفين.
- القدرة اللوجستية.
- الوصول الجغرافي.
- إدارة الموردين.
- القدرة على المتابعة وإعداد التقارير.
- الخبرة في مشروعات مشابهة.
5. النزاهة والامتثال
بحسب طبيعة العلاقة، قد يشمل التقييم وجود ممارسات وسياسات مناسبة تتعلق بـ:
- مكافحة الاحتيال والفساد.
- تضارب المصالح.
- حماية البيانات.
- Safeguarding.
- الشكاوى والإبلاغ.
- المشتريات.
- السلوك المهني.
6. السمعة والسجل السابق
يمكن مراجعة:
- الخبرات السابقة.
- المراجع المهنية.
- علاقات الشراكة السابقة.
- نتائج التدقيق أو التقييمات المتاحة.
- المعلومات الموثوقة المتعلقة بمخالفات جوهرية أو نزاعات ذات صلة.
ولا ينبغي الاعتماد على السمعة وحدها، سواء كانت إيجابية أو سلبية؛ بل يجب التحقق من المعلومات المهمة من مصادر مناسبة.
سادسًا: جمع الوثائق لا يعني أنك أجريت Due Diligence
من أكثر الأخطاء شيوعًا تحويل العملية إلى:
Checklist → Documents Received → Approved
وجود سياسة مالية لا يثبت أن الممارسات المالية جيدة.
ووجود سياسة Safeguarding لا يثبت أن الموظفين يعرفون كيفية تطبيقها.
لذلك يجب الجمع، بحسب مستوى المخاطر، بين أدوات مثل:
Checklists
لضمان الاتساق وعدم إغفال عناصر مهمة.
Institutional Questionnaires
لفهم أنظمة الشريك وقدراته.
Document Review
للتحقق من السياسات والتقارير والسجلات والبيانات.
Interviews
لفهم كيفية تطبيق الأنظمة عمليًا وتوضيح التناقضات.
References
للتحقق من الخبرة السابقة عند الحاجة.
Site Visits
وقد تكون مهمة خصوصًا عندما تكون الشراكة عالية المخاطر أو يعتمد القرار على قدرة تشغيلية لا يمكن التحقق منها بالوثائق وحدها.
المبدأ هنا:
لا تسأل فقط: هل توجد السياسة؟ بل اسأل: هل تعمل؟ وما الدليل؟
سابعًا: Red Flags... متى يجب أن تتوقف وتسأل أكثر؟
أثناء التقييم قد تظهر إشارات تحذيرية (Red Flags) لا تعني تلقائيًا رفض الشريك، لكنها تستوجب التحقق والتصعيد قبل اتخاذ القرار.
قد تشمل مثلًا:
- تناقضات جوهرية بين المعلومات والوثائق.
- رفض تقديم وثائق أساسية دون تفسير معقول.
- عدم وضوح الأشخاص المخولين بالتصرف باسم الجهة.
- بيانات بنكية لا تتوافق بصورة مبررة مع هوية الشريك.
- تغييرات جوهرية غير مفسرة في الإدارة أو السيطرة.
- ضعف شديد في الفصل بين الصلاحيات المالية.
- ملاحظات تدقيق جوهرية لم تتم معالجتها.
- تضارب مصالح غير معلن.
- معلومات موثوقة عن مخالفات خطيرة.
- صعوبة غير مبررة في التحقق من أنشطة أو خبرات يدعيها الشريك.
عند ظهور Red Flag، لا ينبغي تجاهله بسبب ضغط الوقت.
المنطق هو:
Stop → Verify → Escalate → Decide
وقد يؤدي ذلك إلى طلب معلومات إضافية أو إجراء Enhanced Due Diligence قبل اتخاذ القرار.
ثامنًا: لا تخلط بين ضعف القدرة ومشكلة النزاهة
هذه نقطة مهمة جدًا عند تقييم الشركاء.
قد يكون لدى جمعية محلية فريق ملتزم وخبرة ميدانية ممتازة، لكن نظام المشتريات لديها غير مكتمل.
هذه Capacity Gap يمكن في كثير من الحالات معالجتها من خلال:
- التدريب.
- الدعم الفني.
- ضوابط إضافية.
- مراجعات أكثر تكرارًا.
- خطة تطوير مؤسسي.
لكن إذا اكتشفت المؤسسة مثلًا تزويرًا متعمدًا، أو إخفاء تضارب مصالح جوهري، أو تلاعبًا بالوثائق، فهذه ليست فجوة قدرات عادية.
إنها Integrity Issue تتطلب مستوى مختلفًا من التقييم والتصعيد واتخاذ القرار.
وهذا التفريق مهم لأن العناية الواجبة يجب ألا تعاقب الشركاء الصغار لمجرد أن أنظمتهم أقل نضجًا، كما يجب ألا تتعامل مع مشكلات النزاهة باعتبارها مجرد احتياج إلى التدريب.
تاسعًا: من التقييم إلى Risk Rating
بعد التحقق والتحليل، يجب تحويل النتائج إلى صورة تساعد متخذ القرار.
يمكن استخدام تصنيف مثل:
Low Risk
قد تكون الأنظمة والقدرات مناسبة ولا توجد ملاحظات جوهرية، ويمكن تطبيق إجراءات المتابعة المعتادة.
Medium Risk
توجد نقاط ضعف يمكن إدارتها بضوابط إضافية أو خطة تحسين أو متابعة أكثر كثافة.
High Risk
توجد مخاطر جوهرية تحتاج إلى معالجة أو تحقق إضافي أو قرار إداري أعلى قبل المضي.
لكن التصنيف لا ينبغي أن يكون نتيجة انطباع شخصي.
يجب أن تكون المؤسسة قادرة على الإجابة عن:
لماذا صنف الشريك بهذا المستوى؟
ما الأدلة؟
ما المخاطر الرئيسية؟
ما الذي يمكن تخفيفه؟
وما الذي لا يمكن قبوله؟
عاشرًا: High Risk لا يعني دائمًا "شريك سيئ"
خصوصًا في العمل الإنساني، قد يرتفع Risk Rating بسبب السياق وليس بسبب سوء سلوك الشريك.
قد يعمل الشريك في:
- منطقة نزاع.
- بيئة مصرفية محدودة.
- منطقة ذات بنية تحتية ضعيفة.
- سياق تنظيمي معقد.
- منطقة يصعب الوصول إليها.
هذه الظروف قد تجعل الشراكة عالية المخاطر حتى مع وجود شريك مهني.
لذلك يجب التمييز بين:
Partner Risk وContext Risk قدر الإمكان.
والسؤال يصبح:
هل نستطيع إدارة مستوى المخاطر بصورة مسؤولة؟
وليس فقط:
هل الشريك جيد أم سيئ؟
الحادي عشر: القرار ليس دائمًا "قبول أو رفض"
يمكن أن تنتهي العناية الواجبة بعدة نتائج:
Approve
الموافقة على الشراكة ضمن الضوابط المعتادة.
Approve with Conditions
الموافقة المشروطة بإجراءات محددة.
Enhanced Due Diligence
إجراء تحقق أعمق قبل اتخاذ القرار النهائي.
Decline / Suspend
عدم المضي أو تعليق العلاقة عندما تكون المخاطر غير مقبولة أو لا تتوفر معلومات كافية لاتخاذ قرار مسؤول.
وهذا يجعل العملية أكثر مرونة ودقة من نموذج:
Pass / Fail.
الثاني عشر: الموافقة المشروطة... حول نقاط الضعف إلى خطة
إذا كانت المخاطر قابلة للإدارة، يمكن ربط الشراكة بـ Mitigation / Capacity Improvement Plan.
مثلًا، إذا أظهر التقييم ضعفًا في نظام المشتريات، قد تتضمن الشروط:
- اعتماد إجراء مشتريات محدد قبل بدء الصرف.
- تدريب الموظفين المعنيين.
- الحصول على موافقة إضافية على المشتريات فوق حد معين.
- إجراء مراجعات دورية للعينات.
- إعادة تقييم النظام بعد فترة محددة.
ويمكن توثيق كل ملاحظة على النحو التالي:
Risk / Gap → Required Action → Responsible Party → Deadline → Evidence Required → Follow-up Status
وهنا تتحول العناية الواجبة من أداة لاختيار الشريك فقط إلى أداة لإدارة المخاطر وتقوية قدرات الشراكة.
لكن هذا النهج يصلح لفجوات يمكن معالجتها، ولا ينبغي استخدامه لتجاوز مشكلات نزاهة أو مخالفات جوهرية لا يمكن قبولها.
الثالث عشر: من يقيّم ومن يوافق؟
الحوكمة مهمة داخل عملية Due Diligence نفسها.
ينبغي أن تكون المؤسسة واضحة بشأن:
- من يجمع المعلومات؟
- من يتحقق منها؟
- من يحدد Risk Rating؟
- من يستطيع الموافقة على الشريك؟
- من يوافق على الاستثناءات؟
- متى يجب تصعيد القرار إلى الإدارة العليا أو مجلس الإدارة؟
كما ينبغي الإفصاح عن Conflicts of Interest للأشخاص المشاركين في الاختيار.
فإذا كان أحد الموظفين لديه علاقة مباشرة مع الشريك المحتمل، لا يعني ذلك بالضرورة استبعاد الشريك، لكنه يعني أن العلاقة يجب أن تكون معلنة وأن يُدار تضارب المصالح بطريقة تحافظ على استقلالية القرار.
وكلما ارتفع مستوى المخاطر، يجب أن يرتفع مستوى المراجعة والصلاحية المطلوبة للموافقة.
الرابع عشر: الاتفاقية جزء من إدارة المخاطر
لا ينبغي أن تنتهي نتائج العناية الواجبة داخل ملف التقييم.
فالمخاطر والضوابط المهمة يجب أن تنعكس، عند الاقتضاء، في اتفاقية الشراكة.
قد تتضمن الاتفاقية مثلًا:
- الأدوار والمسؤوليات.
- متطلبات التقارير.
- استخدام الأموال.
- المشتريات.
- حفظ السجلات.
- الوصول إلى الوثائق لأغراض المراجعة.
- متطلبات الامتثال.
- حماية البيانات.
- Safeguarding.
- الإبلاغ عن الحوادث أو المخالفات.
- استخدام الأطراف الفرعية.
- التدقيق والمراجعة.
- الإجراءات التصحيحية.
- التعليق أو الإنهاء عند وجود مخالفات جوهرية.
وهكذا يصبح:
Due Diligence Finding → Risk Control → Contractual Requirement → Monitoring
بدل أن تبقى نتائج التقييم منفصلة عن إدارة العلاقة.
الخامس عشر: العناية الواجبة لا تنتهي عند التوقيع
هذه من أهم مبادئ النظام.
فقد يكون الشريك مناسبًا عند بداية العلاقة، ثم تتغير ظروفه.
لذلك يجب أن تشمل المتابعة، بحسب مستوى المخاطر:
- مراجعة التقارير.
- متابعة الالتزامات.
- مراقبة الأداء المالي والتشغيلي.
- مراجعة تنفيذ خطط التحسين.
- متابعة الحوادث والشكاوى المهمة.
- التحقق من استمرار الامتثال.
- مراجعة التغييرات المؤسسية الجوهرية.
- إعادة التقييم دوريًا عندما يكون ذلك مطلوبًا.
ويمكن أن تكون وتيرة المتابعة Risk-Based أيضًا.
فالشريك منخفض المخاطر لا يحتاج بالضرورة إلى مستوى المتابعة نفسه الذي يحتاجه شريك مرتفع المخاطر.
السادس عشر: متى نعيد Due Diligence قبل موعدها؟
إلى جانب المراجعات الدورية، تحتاج المؤسسة إلى Trigger-Based Reassessment.
أي أن أحداثًا معينة تؤدي إلى إعادة تقييم الشريك حتى لو لم يحِن موعد المراجعة الدورية.
ومن أمثلتها:
- تغيير جوهري في الإدارة أو السيطرة.
- تغير الوضع القانوني.
- زيادة كبيرة في قيمة التمويل.
- توسيع نطاق المشروع بصورة جوهرية.
- ظهور مخالفة مالية مهمة.
- شكوى خطيرة أو حادث جوهري.
- معلومات جديدة مرتبطة بالنزاهة أو الامتثال.
- نتائج تدقيق جوهرية.
- إسناد جزء مهم من التنفيذ إلى طرف فرعي جديد.
المبدأ:
إذا تغيرت المخاطر، يجب ألا يبقى تقييم الشريك ثابتًا.
السابع عشر: حماية البيانات أثناء العناية الواجبة
قد تجمع المؤسسة أثناء التقييم وثائق قانونية ومالية، وبيانات أعضاء الإدارة، ومعلومات اتصال، وهويات، ومعلومات مرتبطة بالتحقق والامتثال.
لذلك يجب ألا تتحول العناية الواجبة نفسها إلى مصدر لمخاطر البيانات.
ينبغي مراعاة مبادئ مثل:
- جمع المعلومات الضرورية فقط.
- تحديد الغرض من جمعها.
- تقييد الوصول إلى الملفات.
- التخزين الآمن.
- تحديد فترات الاحتفاظ.
- التحكم في مشاركة المعلومات.
- الالتزام بالمتطلبات القانونية ذات العلاقة.
والقاعدة المفيدة:
لا تجمع وثيقة حساسة لمجرد أن نموذج Due Diligence يحتوي خانة لها؛ اجمع ما تحتاجه فعلًا لاتخاذ القرار والوفاء بالتزاماتك.
الثامن عشر: الأخطاء التي تضعف نظام العناية الواجبة
من أكثر الأخطاء شيوعًا:
- الاعتماد على العلاقات الشخصية أو السمعة.
- استخدام نموذج واحد لجميع الشركاء.
- جمع الوثائق دون التحقق من التطبيق.
- عدم توثيق أسباب Risk Rating.
- تجاهل Red Flags بسبب ضغط الوقت.
- الخلط بين Capacity Gaps وIntegrity Issues.
- عدم إدارة تضارب المصالح.
- عدم ربط النتائج بشروط الاتفاقية.
- عدم متابعة Mitigation Actions.
- تنفيذ Due Diligence مرة واحدة فقط.
- عدم إعادة التقييم عند حدوث تغير جوهري.
- جمع بيانات حساسة دون ضوابط مناسبة.
وقد تكون المؤسسة لديها نموذج Due Diligence ممتاز، لكنها تظل ضعيفة إذا كانت النتائج لا تؤثر في القرار أو العقد أو المتابعة.
التاسع عشر: كيف ترتبط العناية الواجبة بالحوكمة وإدارة المخاطر؟
العناية الواجبة ليست عملية منفصلة عن أنظمة المؤسسة.
فهي تطبيق عملي للحوكمة لأنها تحدد:
من يقيم؟ من يراجع؟ من يوافق؟ من يستطيع قبول المخاطر؟
وهي جزء من إدارة المخاطر لأنها تساعد المؤسسة على تحديد مخاطر الطرف الثالث قبل أن تتحول إلى مشكلة.
وهي جزء من الامتثال لأنها تساعد على التحقق من الالتزامات القانونية والتعاقدية ومتطلبات المانحين.
ويجب أن تؤثر نتائجها، عند الحاجة، في:
Partner Selection → Risk Register → Contract → Monitoring Plan → Audit → Management Reporting → Future Partnership Decisions
وعندما تكون مخاطر الشريك جوهرية للمؤسسة، فقد تحتاج أيضًا إلى الظهور ضمن Risk Register المؤسسي.
العشرون: ماذا يريد المانح أن يرى؟
المانح لا يحتاج فقط إلى سماع:
لدينا Partner Due Diligence Policy.
بل يريد التأكد من أن النظام يعمل.
وقد تشمل سلسلة الأدلة:
Policy → Screening → Assessment → Supporting Evidence → Risk Rating → Approval → Mitigation Plan → Agreement Conditions → Monitoring → Reassessment
ومن أفضل اختبارات الجاهزية أن يطلب المانح:
أرونا شريكًا صنفتموه Medium أو High Risk.
ثم يسأل:
لماذا حصل على هذا التصنيف؟
ما الأدلة التي استندتم إليها؟
ما المخاطر التي حددتموها؟
من وافق على الشراكة؟
ما الشروط أو الضوابط التي فرضتموها؟
هل نُفذت؟
كيف تحققتم من تنفيذها؟
هل تغير مستوى المخاطر لاحقًا؟
إذا استطاعت المؤسسة تقديم إجابات موثقة، فهذا دليل أقوى على النضج من وجود عشرات السياسات والنماذج غير المستخدمة.
الحادي والعشرون: كيف تعرف أن نظام Partner Due Diligence لديك ناضج؟
يمكن للمؤسسة مراجعة عناصر مثل:
✓ وجود سياسة وإجراء واضح للعناية الواجبة.
✓ استخدام Risk-Based Approach.
✓ إجراء Initial Screening مناسب.
✓ وجود معايير واضحة للتقييم.
✓ التحقق من الوضع القانوني والقدرات المالية والتشغيلية والحوكمة والامتثال وفق مستوى المخاطر.
✓ وجود آلية للتعامل مع Red Flags.
✓ الإفصاح عن تضارب المصالح وإدارته.
✓ التفريق بين Capacity Gaps وIntegrity Issues.
✓ وجود Risk Rating موثق.
✓ وجود مستويات واضحة لصلاحية الموافقة.
✓ استخدام Conditional Approval عندما تكون المخاطر قابلة للمعالجة.
✓ ربط نتائج التقييم بالعقد وخطة المتابعة.
✓ متابعة تنفيذ Mitigation Actions.
✓ استخدام Trigger-Based Reassessment.
✓ حماية المعلومات التي يتم جمعها أثناء العملية.
✓ الاحتفاظ بأدلة كافية تشرح كيف ولماذا تم اتخاذ القرار.
لكن الاختبار الأهم ليس عدد النماذج.
بل:
هل تستطيع المؤسسة إثبات أن نتائج Due Diligence غيرت قرارًا أو شرطًا تعاقديًا أو مستوى متابعة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فالنظام أصبح جزءًا فعليًا من الإدارة.
قبل الانتقال إلى المقال القادم...
يمكن للجمعية أن تبدأ عمليًا بـ:
✓ تصنيف أنواع الشراكات لديها حسب مستوى المخاطر.
✓ مراجعة Partner Due Diligence Policy الحالية.
✓ إنشاء Initial Screening بسيط.
✓ تحديد الوثائق المطلوبة بحسب مستوى المخاطر بدل طلب القائمة نفسها من الجميع.
✓ وضع معايير واضحة لـ Low / Medium / High Risk.
✓ تحديد Red Flags وآلية تصعيدها.
✓ تحديد من يقيّم ومن يراجع ومن يوافق.
✓ إضافة Conflict of Interest Declaration إلى عملية الاختيار.
✓ إنشاء Mitigation Plan للشركاء المقبولين بشروط.
✓ ربط نتائج Due Diligence باتفاقيات الشراكة.
✓ تحديد Monitoring Frequency بحسب المخاطر.
✓ وضع Triggers واضحة لإعادة التقييم.
✓ مراجعة طريقة تخزين ملفات Due Diligence والوصول إليها.
تقييم ذاتي سريع
اسأل نفسك:
□ هل نخضع جميع الشركاء للمستوى نفسه من الفحص، أم نستخدم Risk-Based Approach؟
□ هل نتحقق من المعلومات المهمة أم نكتفي باستلام الوثائق؟
□ هل نعرف من يملك صلاحية تمثيل الشريك والتوقيع باسمه؟
□ هل لدينا آلية واضحة لتحديد Red Flags والتعامل معها؟
□ هل نميز بين ضعف القدرات ومشكلات النزاهة؟
□ هل نستطيع تفسير سبب تصنيف شريك بأنه Low أو Medium أو High Risk؟
□ هل يمكن الموافقة المشروطة بدل القبول أو الرفض فقط؟
□ هل لكل إجراء تخفيف مسؤول وموعد ودليل مطلوب؟
□ هل تظهر نتائج Due Diligence داخل اتفاقية الشراكة؟
□ هل تتغير وتيرة المتابعة بحسب مستوى المخاطر؟
□ هل لدينا أحداث محددة تؤدي إلى إعادة التقييم؟
□ هل ندير تضارب المصالح داخل عملية اختيار الشريك؟
□ هل نحمي المعلومات الحساسة التي نجمعها؟
□ هل نستطيع عرض حالة فعلية تغير فيها قرار الشراكة نتيجة Due Diligence؟
إذا كانت الإجابة "لا" على عدد من هذه الأسئلة، فقد تكون المؤسسة تجمع وثائق الشركاء، لكنها لم تبنِ بعد نظامًا متكاملًا للعناية الواجبة بالشركاء.
خاتمة
العناية الواجبة بالشركاء ليست بحثًا عن "الشريك المثالي"، ولا إجراءً هدفه إثبات أن الشريك خالٍ من جميع المخاطر.
إنها عملية تساعد المؤسسة على فهم الشريك والسياق والمخاطر بما يكفي لاتخاذ قرار مسؤول.
وتبدأ العملية بتحديد طبيعة العلاقة، ثم إجراء الفحص المناسب، والتحقق من الأدلة، وتقييم القدرات والنزاهة والامتثال، وتصنيف المخاطر، واتخاذ قرار يتناسب معها.
وفي بعض الحالات يكون القرار هو الموافقة.
وفي حالات أخرى يكون:
الموافقة بشروط، أو تعزيز الضوابط، أو تطوير قدرات الشريك، أو إجراء فحص أعمق، أو عدم المضي في العلاقة.
لكن الأهم أن القرار لا ينتهي عند توقيع الاتفاقية.
فالشراكات تتغير، والمخاطر تتغير معها. ولهذا يجب أن تستمر المراقبة وإعادة التقييم طوال العلاقة.
والمؤسسة الناضجة لا تسأل فقط:
هل أكملنا Due Diligence لهذا الشريك؟
بل تسأل:
ماذا اكتشفنا؟ كيف أثر ذلك في قرارنا؟ ما الضوابط التي وضعناها؟ وهل ما زالت المخاطر ضمن الحدود التي نستطيع قبولها؟
عندها تتحول العناية الواجبة من Checklist لجمع الوثائق إلى أداة حقيقية للحوكمة وإدارة المخاطر وبناء شراكات أكثر موثوقية واستدامة.