لم يعد طلب الدعم من شركة يعني بالضرورة تقديم مشروع وانتظار مساهمة من ميزانيتها. فقد تشارك الشركة بتمويل مباشر، أو تتيح لموظفيها التبرع، أو تخصص مبلغًا لمطابقة مساهماتهم، أو تربط جزءًا من مبيعاتها بدعم مشروع مجتمعي.
وتظهر هذه المسارات في تجربة موثّقة ضمن تقرير سنوي لمنصة تبرع دولية عن عام 2025؛ إذ أفاد التقرير بأن 78 شريكًا من الشركات قدموا أكثر من 49 مليون دولار لدعم منظمات غير ربحية، عبر برامج شملت المنح وتبرعات الموظفين والاستجابة للكوارث والتسويق المرتبط بقضية. وهذه نتائج تخص التجربة الواردة في التقرير، ولا تمثل حجم دعم الشركات عالميًا.
بالنسبة للجمعية، تكمن أهمية الخبر في تعدد أشكال المشاركة. فالشركة التي لا تستطيع تمويل المشروع كاملًا قد تتمكن من دعم جزء منه، أو إتاحة الوصول إلى موظفيها، أو تقديم خدمة تخفّض تكلفته.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى دعم فعلي يتطلب طلبًا محددًا. عبارة «نرغب في بناء شراكة» تفتح الحديث، لكنها لا توضح للشركة ما المطلوب منها. أما عرض احتياج واضح وطريقة مشاركة مناسبة، فيمنحها أساسًا لمراجعة الفرصة واتخاذ قرار بشأنها.
من طلب الدعم إلى تصميم المشاركة
تبدأ الجمعية بتحديد ما تحتاج إليه، ثم تبحث عن شكل المشاركة الذي يناسب هذا الاحتياج وقدرة الشركة.
إذا كان المطلوب تمويل خدمة مستمرة، فقد تكون مساهمة مالية محددة أو منحة مناسبة. وإذا كان المشروع مفهومًا للجمهور ويمكن عرضه في حملة قصيرة، فقد تكون تبرعات الموظفين خيارًا يستحق الدراسة. وإذا كانت الشركة تقدم خدمات تقنية تحتاج إليها الجمعية، فقد يكون توفير تلك الخدمات أنفع من إطلاق حملة لجمع ثمنها.
هذا الترتيب يحافظ على ارتباط المشاركة باحتياج الجمعية. فلا تنشئ مشروعًا جديدًا لمجرد أنه يبدو جذابًا للشركة، ولا تقبل موردًا عينيًا لا تستطيع استخدامه أو تحمل تكلفة تشغيله.
وفي الوقت نفسه، تراجع الجمعية ما تنشره الشركة عن مجالات دعمها وطريقة عمل برامجها المجتمعية. فالعرض المناسب لشركة لديها مؤسسة مانحة قد يختلف عن عرض موجه إلى شركة تتيح لموظفيها المشاركة في حملات تبرع.
وعندما لا تتوافر معلومات كافية، يكون هدف التواصل الأول فهم المسار المتاح: من يراجع الطلب؟ ما نوع المشاركة الممكنة؟ ومتى يُتخذ القرار؟ يساعد ذلك الجمعية على تطوير عرض مناسب قبل استثمار وقتها في تفاصيل قد لا تحتاج إليها الشركة.
ما الفرق بين مساهمة الشركة وتبرعات موظفيها؟
من أهم ما يجب ضبطه في هذه المشاركات تحديد صاحب المساهمة ودور كل طرف.
إذا قدمت الشركة مبلغًا من ميزانيتها، فهو دعم صادر عنها. أما إذا أتاحت لموظفيها التبرع، فالأموال يقدمها الموظفون بصفتهم أفرادًا، بينما تتولى الشركة تسهيل المشاركة. وإذا أضافت الشركة مبلغًا مقابل تبرعاتهم، تصبح هناك مساهمتان منفصلتان: تبرعات الموظفين ومساهمة الشركة المطابقة.
وتوجد تطبيقات فعلية لهذه الترتيبات، تشمل صفحات رقمية لتبرعات الموظفين وإمكانية مطابقة مساهماتهم.
هذا التفريق ضروري عند إعداد الميزانية والتقرير والإعلان عن النتائج. فلا تنسب الجمعية كامل حصيلة حملة الموظفين إلى الشركة، ولا تعتبر هدف الحملة التزامًا ماليًا عليها.
وينطبق الأمر نفسه على مشاركة العملاء. فإذا أضاف العميل تبرعًا اختياريًا عند الشراء، فهو المتبرع. أما إذا التزمت الشركة بتقديم مبلغ من قيمة كل عملية بيع، فالمساهمة تصدر عن الشركة وفق الشروط المعلنة.
كلما اتضحت هذه الأدوار، أصبح الاتفاق أسهل في التنفيذ، وأصبحت النتائج أكثر دقة عند عرضها للجمهور.
كيف تقدم الجمعية فرصة واضحة للشركة؟
لا يحتاج العرض الأول إلى ملف طويل. يحتاج إلى قصة متصلة توضح الاحتياج، وما ستفعله الجمعية لمعالجته، والمشاركة المطلوبة من الشركة، وكيف ستوثق التنفيذ.
يمكن أن يبدأ العرض ببيان مختصر عن المستفيدين والاحتياج، ثم يوضح تكلفة التدخل وما توفر له من تمويل. بعد ذلك يقدم طلبًا أساسيًا محددًا، مثل تمويل عدد معلوم من الخدمات، أو إتاحة حملة طوعية للموظفين لمدة معينة.
ويجب أن يرى الطرف الآخر ما الذي ستتولاه الجمعية أيضًا. فإذا كانت تقترح حملة للموظفين، توضح أنها ستجهز المحتوى وصفحة التبرع وتحديثات المشروع، وتحدد ما تطلبه من الشركة: اعتماد المشاركة، وإتاحة التواصل الداخلي، وتسمية مسؤول للتنسيق.
ويكتمل العرض بتقرير متناسب مع حجم المشاركة، يوضح الأموال المحصلة والأنشطة المنفذة والنتائج التي يمكن قياسها. بذلك يعرف الطرفان منذ البداية ما الذي سيُطلب بعد انتهاء الحملة.
أما تجهيزات المشروع أو خدماته المهنية، فتُعرض بالطريقة نفسها: ما المورد المطلوب؟ كيف سيُستخدم؟ وما التكاليف التي ستبقى على الجمعية بعد توفيره؟
مثال: مساهمة مباشرة وحملة للموظفين
لنفترض أن جمعية تخطط لبرنامج دعم تعليمي بتكلفة 120 ألف ريال، وقد أمّنت له 40 ألفًا. تتبقى فجوة قدرها 80 ألف ريال، فتقترح على شركة تقديم مساهمة مباشرة بقيمة 50 ألفًا، وإتاحة حملة طوعية للموظفين تستهدف جمع 30 ألفًا.
هذه الأرقام افتراضية، لكنها توضح طريقة بناء المشاركة:
| مصدر التمويل | المبلغ | حالته |
|---|---|---|
| تمويل أمّنته الجمعية | 40 ألف ريال | مؤكد |
| مساهمة الشركة | 50 ألف ريال | تصبح مؤكدة وفق الاتفاق المعتمد |
| تبرعات الموظفين | 30 ألف ريال | هدف للحملة، وليس مبلغًا مضمونًا |
إذا جمع الموظفون 18 ألف ريال، يصبح إجمالي التمويل 108 آلاف، وتبقى فجوة قدرها 12 ألفًا. لا تتحمل الشركة هذه الفجوة تلقائيًا؛ لذلك تحتاج الجمعية إلى تحديد كيفية التعامل معها قبل الإعلان عن البرنامج.
قد تؤمّن الجمعية المبلغ المتبقي من مصدر آخر، أو تنفذ البرنامج على مراحل إذا كانت طبيعته وشروط التمويل تسمح بذلك. المهم ألا تبدأ بالتزامات مبنية على افتراض أن جميع الموظفين سيشاركون أو أن الشركة ستغطي أي نقص.
وعند إعلان النتائج، تُذكر مساهمة الشركة وتبرعات الموظفين بوضوح. كما يُفصل بين ما اتُّفق عليه وما حُصّل فعلًا، خاصة إذا كان تحويل مساهمة الشركة سيتم في موعد لاحق.
القناة الرقمية تسهّل المشاركة، والاتفاق يحدد مسؤولياتها
يمكن لصفحة تبرع موحدة أن تمنح الموظفين أو العملاء مكانًا واضحًا للمشاركة، وتساعد الجمعية على متابعة الحصيلة ونشر التحديثات. لكن فائدتها تتوقف على وضوح ترتيبات التحصيل والتحويل والتقرير.
قبل إطلاق الحملة، يتفق الطرفان على الجهة التي تستقبل الأموال، والرسوم، ومواعيد تحويلها، وكيفية تمييز تبرعات الحملة عن بقية التبرعات. ويحددان أيضًا من يجيب عن الاستفسارات، وما البيانات التي ستظهر في تقرير الشركة.
يمكن، مثلًا، تزويد الشركة بإجمالي مشاركة موظفيها دون كشف أسماء المتبرعين أو مبالغهم الفردية. وتُراعى الموافقات والمتطلبات المطبقة عند مشاركة أي بيانات شخصية، مع الحفاظ على طوعية التبرع.
وإذا ارتبط الدعم بالمبيعات، تصبح دقة الإعلان والحساب أساسية. فعبارة «جزء من المبيعات يذهب للجمعية» لا توضح المبلغ المستحق. الأفضل تحديد مبلغ لكل عملية مؤهلة، أو نسبة ذات أساس حساب واضح، مع بيان المدة والسقف وأثر الإلغاء والاسترداد.
وتُراجع هذه الترتيبات وفق المتطلبات المحلية ذات الصلة. فإتاحة المشاركة تقنيًا لا تكفي وحدها لإقرار طريقة جمع الأموال أو الإعلان عنها.
ابدأ بمشاركة تستطيع تنفيذها وتوثيقها
لا تحتاج الجمعية إلى إطلاق جميع مسارات دعم الشركات مرة واحدة. يمكنها البدء باحتياج واحد وشركة مناسبة وطلب محدد، ثم بناء اتفاق يوضح مساهمة كل طرف ومسؤوليته.
بعد التنفيذ، تراجع الجمعية صافي الموارد التي حصلت عليها، والوقت والتكلفة اللازمين لإدارة المشاركة، وما تحقق للمستفيدين. ويساعدها ذلك على معرفة ما إذا كان المسار يستحق التكرار، وما الذي يحتاج إلى تحسين.
التجربة التي عرضها التقرير تقدم مثالًا على تعدد طرق دعم الشركات. وتصبح هذه المعرفة مفيدة للجمعية عندما تستطيع صياغة فرصة واضحة: احتياج حقيقي، ومشاركة محددة، ومسؤوليات متفق عليها، ونتائج يمكن توثيقها.