قد تمتلك الجمعية قائمة طويلة من الجهات المانحة، وجدولًا للحملات، وهدفًا سنويًا لزيادة الإيرادات، لكنها لا تملك إجابة واضحة عن سؤال أساسي: كيف ستساعد هذه الموارد على تنفيذ أولوياتها؟
تظهر المشكلة عندما تتوزع جهود الفريق على فرص متفرقة، أو يصل التمويل بعد موعد الحاجة إليه، أو تتوسع الجمعية في برنامج ممول بينما تبقى خدمة أساسية دون تغطية.
استراتيجية تنمية الموارد تربط ما تريد الجمعية تحقيقه بما تحتاج إلى توفيره، ثم تحدد المسارات التي ستستثمر فيها وقتها وميزانيتها وعلاقاتها. وهي تتطلب قرارات واضحة: ماذا سنموّل؟ ومن يمكنه دعم ذلك؟ ولماذا؟ وما القدرات المطلوبة؟ ومتى نراجع اختيارنا؟
أولًا: حدّد الأولويات التي ستقود قرارات الموارد
تبدأ الاستراتيجية بمراجعة أهداف الجمعية واحتياجات المستفيدين والتزاماتها القائمة. تشارك إدارة البرامج في تحديد النتائج المطلوبة، والمالية في تقدير التكلفة والتوقيت، وتنمية الموارد في تقييم فرص الدعم، والإدارة في اعتماد الأولويات.
لا يكفي نقل جميع أهداف الخطة الاستراتيجية إلى قائمة تمويل. ينبغي تحديد ما يجب حمايته، وما يمكن تطويره، وما يمكن تأجيله إذا لم تتوافر الموارد.
يمكن تقسيم الأولويات إلى:
-
التزامات قائمة: خدمات مستمرة، وعقود، وتعهدات تجاه المستفيدين.
-
تطوير ضروري: أنظمة أو قدرات تؤثر في جودة العمل وكفاءته.
-
توسع مشروط: أنشطة جديدة تتطلب تمويلًا وقدرة إضافية قبل إطلاقها.
هذا الترتيب يساعد الجمعية على توزيع جهودها عندما لا تستطيع تمويل كل شيء في الوقت نفسه. كما يوضح أن تمويل التوسع لا يعالج تلقائيًا فجوة الالتزامات الحالية.
ثانيًا: احسب التكلفة الكاملة والفجوة المتبقية
بعد تحديد الأولويات، تحتاج الجمعية إلى وصف كل احتياج: تكلفته، وموعده، ومدته، وما تغطيه الموارد الحالية، وما يبقى دون تغطية.
تشمل التكلفة الكاملة تنفيذ الأنشطة وما يلزمها من إدارة ومتابعة وتقنية ومرافق، وفق أساس توزيع مناسب. وقد يغطي التمويل المخصص للمشروع هذه البنود ضمن الموازنة المعتمدة؛ لذلك يجب مراجعة التغطية الفعلية قبل افتراض الحاجة إلى تمويل إضافي.
ولكل احتياج، ميّز بين:
-
الغرض الذي سيخدمه.
-
الحاجة إلى نقد أو مساهمة عينية محددة.
-
موعد توافر المورد والمدة المطلوبة.
-
حدود الاستخدام المقبولة.
-
ما إذا كان الاحتياج لمرة واحدة أو مستمرًا.
المرونة والتكرار صفات للتمويل، وليسا نوعين منفصلين من الاحتياجات. فقد يحتاج برنامج مستمر إلى تمويل نقدي متكرر، بينما يحتاج تطوير نظام إلى دفعة أولية وتمويل لاحق للصيانة.
مثال: جمعية تعمل على تمكين الشباب
لنفترض أن الجمعية تخطط للسنة المقبلة وفق الأرقام التالية، وهي مثال افتراضي تعليمي:
| الأولوية | التكلفة المخططة | التمويل المؤكد القابل للاستخدام لهذا الغرض | الفجوة |
|---|---|---|---|
| برنامج تدريب قائم | 1,200,000 ريال | 800,000 ريال | 400,000 ريال |
| تطوير نظام متابعة المستفيدين وتشغيله في السنة الأولى | 200,000 ريال | 50,000 ريال | 150,000 ريال |
| احتياجات مؤسسية غير محملة على البندين السابقين | 300,000 ريال | 100,000 ريال | 200,000 ريال |
| الإجمالي | 1,700,000 ريال | 950,000 ريال | 750,000 ريال |
تفترض الأرقام أن التكاليف موزعة دون ازدواج، وأن التمويل المؤكد متاح في المواعيد المطلوبة. ولا تشمل الفجوة طلبات المنح قيد الدراسة أو تبرعات محتملة.
أصبحت الجمعية تعرف ما تحتاج إلى تغطيته تحديدًا. وتضيف إلى ذلك تقديرًا لتكلفة تشغيل النظام بعد السنة الأولى، حتى لا تموّل إنشاءه دون خطة لاستمراره.
ثالثًا: اختر مسارات يمكن تطويرها فعلًا
معرفة الفجوة لا تحدد تلقائيًا الجهة التي ستغطيها. ينبغي اختبار المسارات المحتملة وفق أدلة: علاقات قائمة، وسجل دعم، وأولويات الجهات المانحة، واهتمام المتبرعين، وقدرة الفريق.
وتساعد الأسئلة التالية على اختيار المسار:
-
من يمكنه تقديم المورد؟
-
لماذا قد يرغب في دعم هذا الاحتياج؟
-
ما الذي يجعل الجمعية مؤهلة وجديرة بالثقة لديه؟
-
كيف ستصل إليه وتبني العلاقة؟
-
ما الوقت والتكلفة والقدرات المطلوبة؟
فعبارة «سنحصل على منح» لا تكفي. تحتاج الجمعية إلى تحديد المؤسسات التي تتوافق أولوياتها مع البرنامج، ومتطلبات التقدم إليها، ومواعيد قراراتها، وأدلة النتائج التي ستقدمها.
وبالمثل، فإن تطوير التبرعات الدورية يحتاج إلى جمهور يمكن الوصول إليه، وغرض واضح للدعم، وتجربة تبرع مناسبة، وقدرة على التواصل والمتابعة.
في المثال، قد تختار الجمعية مسارين رئيسيين خلال السنة:
| المسار | الفجوة المستهدفة | سبب الاختيار |
|---|---|---|
| تطوير دعم مؤسسي وشركات | 400 ألف ريال للتدريب، و150 ألفًا للنظام | وجود علاقات سابقة وجهات تدعم تشغيل الشباب أو تطوير قدرات الجمعيات |
| تطوير تبرعات أفراد لأغراض مؤسسية موضحة | 200 ألف ريال للاحتياجات المؤسسية | وجود قاعدة متبرعين سابقة أبدت اهتمامًا باستمرار عمل الجمعية |
هذه اختيارات تحتاج إلى التحقق، وليست ضمانًا للتمويل. وإذا لم توجد علاقات أو قاعدة دعم أو قدرة مناسبة، فيجب تعديل المسار أو حجم الطموح.
ولا يلزم فتح مسار جديد لكل احتياج. قد تدعم جهة واحدة أكثر من أولوية ضمن اتفاق واضح، وقد يتطلب احتياج واحد مساهمات من عدة جهات.
رابعًا: افصل بين مقدم المورد وطبيعته وآلية جمعه
حتى تكون الخطة واضحة، سجّل كل مسار باستخدام حقول مستقلة:
| البعد | ما الذي يوضحه؟ |
|---|---|
| مقدم المورد | فرد، شركة، مؤسسة مانحة، أو جهة أخرى |
| طبيعة المورد | تبرع، منحة، مساهمة عينية، أو إيراد من خدمة |
| آلية الاستقطاب والتحصيل | طلب منحة، تواصل مباشر، حملة تمويل جماعي، أو وسيلة دفع |
| شروط الاستخدام | الغرض المسموح، والمدة، ومتطلبات التقارير |
| نمط التدفق | لمرة واحدة، أو دفعات، أو تكرار متوقع بشروط محددة |
قد تقدم شركة تبرعًا عبر حملة تمويل جماعي؛ يظل المورد مساهمة من شركة، وتظل الحملة آلية لجمعه. ولا يُحتسب المبلغ مرتين.
أما التمويل الجماعي، فيدخل الخطة عندما توجد حاجة يمكن شرحها للجمهور، وقدرة على الوصول إليه وتنفيذ الالتزامات وتقديم التحديثات. وتتحدد مدة الدعم ومرونته وفق تصميم الحملة والشروط المعلنة.
وإذا درست الجمعية تقديم خدمة بمقابل، فعليها تقدير الطلب وتكلفة التشغيل وصافي المساهمة المتوقع. الدخل المكتسب لا يعني بالضرورة دخلًا منتظمًا أو فائضًا متاحًا؛ فقد تتغير المبيعات أو تستوعب تكلفة الخدمة معظم الإيراد.
خامسًا: اختبر الفرص قبل الالتزام بها
بعد تحديد المسارات، ستظهر فرص لم تكن متوقعة. تحتاج الجمعية إلى اختبار يساعدها على اتخاذ قرار متسق، دون تحويل الخطة إلى قيد يمنع الاستجابة لحاجة جديدة.
يمكن استخدام خمسة أسئلة:
هل تخدم الفرصة الرسالة واحتياجًا حقيقيًا؟
يجب أن تكون الصلة واضحة من حيث المستفيدين والنتائج، لا مجرد تشابه في اسم النشاط.
هل تغطي التكلفة والالتزامات بصورة مناسبة؟
تُراجع الموازنة وشروط الصرف والتكاليف غير المغطاة، وما ستتحمله الجمعية من مواردها.
هل نملك القدرة على التنفيذ؟
يشمل ذلك الفريق والأنظمة والشركاء والوقت، إضافة إلى متطلبات المتابعة والتقارير.
ماذا يحدث بعد انتهاء التمويل؟
هل ينتهي النشاط بصورة مسؤولة، أم ينشئ خدمة أو عقودًا تحتاج إلى موارد مستمرة؟
هل شروط القبول مناسبة؟
تُراجع حدود الاستخدام وتضارب المصالح والمتطلبات القانونية والأخلاقية، وفق سياسات الجمعية وصلاحياتها.
في مثال جمعية تمكين الشباب، قد تعرض شركة تمويل برنامج جديد لا يخدم الفئة المستهدفة ويحتاج إلى فريق إضافي. قيمة العرض وحدها لا تبرر قبوله.
وقد تظهر، في المقابل، فرصة تدريب جديدة تستجيب لحاجة موثقة وتخدم الرسالة، لكنها خارج الخطة الحالية. يمكن دراسة تعديل الخطة واعتماده إذا كانت فائدتها وتكلفتها وقدرتها التنفيذية تبرر ذلك.
القرار الممكن قد يكون القبول، أو التفاوض، أو التأجيل، أو الرفض. ووجود فرصة خارج الخطة يستدعي تفسيرًا ومراجعة، ولا يؤدي تلقائيًا إلى الرفض.
سادسًا: موّل القدرة على تنمية الموارد
تحتاج المسارات المختارة إلى استثمار. كتابة المقترحات، وإدارة العلاقات، وإعداد الحملات، وتحسين البيانات، ومتابعة الاتفاقيات أعمال لها تكلفة.
في المثال، لنفترض أن الجمعية خصصت 60 ألف ريال لتطوير الموارد:
-
35 ألفًا لإعداد المقترحات والموازنات وتطوير العلاقات المؤسسية.
-
25 ألفًا لتحسين بيانات المتبرعين وتجربة التبرع والتواصل.
إذا كانت هذه التكلفة غير مدرجة في الجدول السابق، ترتفع الاحتياجات المخططة إلى 1.76 مليون ريال، وتصبح الفجوة الإجمالية 810 آلاف ريال.
يجب توضيح كيف ستُموّل تكلفة التطوير ومتى تُدفع. فإذا كانت الموارد المتاحة مقيدة بأغراض أخرى، فلا تُعامل تلقائيًا بوصفها ميزانية متاحة للاستقطاب.
كما ينبغي تجنب خصم التكلفة مرتين: مرة ضمن الموازنة، ومرة عند حساب الموارد اللازمة لتغطيتها.
وقد تختار الجمعية تجربة محدودة قبل توسيع الاستثمار؛ مثل تقديم عدد من طلبات المنح الملائمة، أو اختبار تواصل مع شريحة من المتبرعين السابقين. تساعد النتائج على تقييم المسار قبل إضافة وظائف أو مصروفات مستمرة.
سابعًا: حوّل الاختيارات إلى أهداف ومسؤوليات
لا تكتمل الاستراتيجية بعبارة «تنمية المنح والتبرعات». يحتاج كل مسار إلى هدف ومبلغ وموعد وميزانية ومسؤول.
يمكن أن تصوغ الجمعية أهداف المثال هكذا:
-
تأمين 400 ألف ريال إضافية لبرنامج التدريب قبل موعد اعتماد التوسع، عبر اتفاقيات تتوافق شروطها مع موازنة البرنامج.
-
تأمين 150 ألف ريال لتطوير نظام المتابعة خلال النصف الأول من السنة، مع اعتماد خطة تغطي تشغيله لاحقًا.
-
تأمين 200 ألف ريال للاحتياجات المؤسسية و60 ألفًا لتطوير الموارد خلال السنة، من مساهمات تسمح شروطها بتغطية هذه الأغراض.
تظل هذه أهدافًا مستهدفة حتى تؤكدها اتفاقيات أو مساهمات وفق شروطها. ولا تتحول إلى تمويل متاح لمجرد إدراجها في الخطة.
وتُسند المسؤوليات بوضوح: البرامج تحدد النتائج ومتطلبات التنفيذ، والمالية تتحقق من التكلفة والتغطية، وتنمية الموارد تدير فرص الدعم والعلاقات، والإدارة تعتمد القرارات ضمن الصلاحيات المقررة.
ثامنًا: راجع التقدم واتخذ قرارًا عند التعثر
تحتاج المتابعة إلى عدد محدود من المؤشرات يخدم القرار، مثل:
| المؤشر | استخدامه |
|---|---|
| التمويل المؤكد لكل أولوية مقارنة بفجوتها | معرفة ما أصبح مغطى وما يزال يحتاج إلى عمل |
| التحصيل الفعلي مقارنة بمواعيد الحاجة | كشف التأخر الذي يؤثر في التنفيذ |
| تكلفة تطوير المسار مقارنة بميزانيته ونتائجه | تقييم جدوى الاستمرار أو التعديل |
| تقدم الفرص المؤهلة | معرفة ما انتقل إلى طلب أو تفاوض أو اتفاق |
| تجدد الدعم واستمراره، حيث ينطبق | تقييم قدرة العلاقة على دعم احتياجات مستمرة |
تفصل المتابعة بين التمويل المستهدف، والطلبات المقدمة، والاتفاقيات المؤكدة، والأموال المحصلة. ولكل منها دلالة مختلفة.
وفي المثال، إذا لم يتأكد تمويل توسع التدريب قبل موعد القرار، فلا يبدأ التوسع اعتمادًا على طلبات قيد الدراسة. تراجع الجمعية نطاق التنفيذ، أو تبحث عن ترتيب مرحلي، أو تؤجل الجزء غير المغطى.
أما مستوى التركّز ومخاطر التعطل، فتُستخدم نتائج مراجعتهما لتعديل الاختيارات وحدود الالتزام، دون إعادة بناء خطة المخاطر داخل كل مسار.
استراتيجية تستطيع الجمعية استخدامها
النتيجة المطلوبة وثيقة واضحة تربط كل أولوية بتكلفتها وفجوتها، والمسار المختار لتغطيتها، وسبب الاختيار، وميزانية تطويره، والمسؤول عنه، وموعد القرار.
يعتمد مجلس الإدارة أو الجهة المخولة التوجهات والميزانية وحدود القبول وفق نظام الجمعية، وتتولى الإدارة تحويلها إلى عمل ومراجعتها مع تغير الظروف.
تنجح استراتيجية تنمية الموارد عندما تساعد الجمعية على اختيار ما يستحق جهدها، وتوفير الموارد في الوقت المناسب، وحماية التزاماتها عند عدم تحقق التوقعات. عندها تستطيع تفسير كل قرار تمويلي: أي أولوية يخدم، وما الذي يتطلبه، وكيف ستعرف أنه يحقق الغرض.