لماذا يتبرع الناس؟ خريطة دوافع العطاء في العالم العربي والإسلامي

‏06 سبتمبر 2026 أ. شرين مقداد
لماذا يتبرع الناس؟ خريطة دوافع العطاء في العالم العربي والإسلامي
مشاركة

مقدمة: حين لا يكون المال هو القصة الكاملة

لم يكن العطاء الإنساني يومًا مجرد انتقال للمال من شخص إلى مؤسسة أو من مانح إلى مستفيد. فخلف كل تبرع دافع، وخلف كل قرار بالعطاء مجموعة من القيم والمشاعر والتجارب والعلاقات التي تشكل نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الآخرين.

قد يتبرع شخص استجابةً لحالة إنسانية عاجلة، بينما يعطي آخر لأنه يرى في الصدقة أو الزكاة مسؤولية دينية. وقد يبحث ثالث عن أثر مستدام يبقى بعده، في حين يتبرع رابع لأنه يثق بمؤسسة معينة، أو لأن شخصًا يثق به شارك حملة وجمع التبرعات لصالحها.

ولهذا فإن سؤال:

«لماذا يتبرع الناس؟»

أعمق من الإجابة بأنهم "يحبون الخير".

فالعطاء سلوك إنساني تتداخل فيه القيم والإيمان، والتعاطف، والأثر والمعنى، والهوية والانتماء، والتأثير الاجتماعي، والثقة.

وفهم هذه الدوافع مهم للجمعيات والمؤسسات غير الربحية، وكذلك لمنصات التمويل الجماعي (Crowdfunding)؛ لأن نجاح جمع التبرعات لا يعتمد فقط على أهمية القضية، بل على قدرة المؤسسة على فهم الإنسان الذي تخاطبه:

ما الذي يحركه؟ لماذا يثق؟ متى يتحول اهتمامه إلى فعل؟ ولماذا يعود للعطاء مرة أخرى؟

المؤسسة التي تنظر إلى المتبرع باعتباره مصدر تمويل قد تحصل على تبرع عابر. أما التي تفهم دوافعه وتعامله كشريك في الأثر، فلديها فرصة أكبر لبناء علاقة مستدامة معه.


أولًا: العطاء سلوك إنساني مشترك... لكن السياق يصنع الفرق

هناك الكثير من القواسم المشتركة في السلوك الإنساني.

فالناس في ثقافات مختلفة يتأثرون بالتعاطف، والثقة، والانتماء، والهوية، والرغبة في المساعدة، ورؤية الأثر، وسلوك الآخرين.

لكن هذا لا يعني أن دوافع العطاء تظهر بالطريقة نفسها في كل مجتمع.

دوافع العطاء الإنسانية متشابهة في جوهرها، لكن الثقافة والدين والأسرة والمجتمع تحدد كيف تُفهم هذه الدوافع، وكيف يُعبَّر عنها، وكيف تتحول إلى سلوك.

وفي كثير من المجتمعات العربية والإسلامية، يعمل العطاء داخل منظومة دينية واجتماعية واسعة تشمل الزكاة، والصدقة، والوقف، والصدقة الجارية، وصدقة الفطر، والكفارات، والفدية، وكفالة الأيتام، وصلة الرحم، والتكافل، وإغاثة المحتاج.

كما تؤثر المواسم الدينية، والأسرة، والمجتمع المحلي، والعلاقات الشخصية، والجهات والشخصيات الموثوقة في توقيت العطاء واتجاهه.

لذلك لا ينبغي للمؤسسات العربية والإسلامية أن تنسخ نماذج Donor Psychology المطورة في سياقات أخرى بصورة حرفية، كما لا ينبغي أن تفترض أن المتبرع العربي أو المسلم يعمل وفق نفسية مختلفة تمامًا.

المطلوب هو:

فهم المبادئ الإنسانية المشتركة، ثم تطبيقها داخل السياق الديني والثقافي والاجتماعي الذي تعمل فيه المؤسسة.

ومن هنا يمكن بناء خريطة دوافع العطاء حول ستة دوافع رئيسية، مع إدراك أنها تتداخل ولا تعمل بصورة منفصلة.


ثانيًا: القيم والإيمان... حين يكون العطاء أكثر من اختيار مالي

في السياق الإسلامي، لا يعمل الدين فقط بوصفه محفزًا نفسيًا للعطاء، بل يقدم منظومة متكاملة لمعنى العطاء وأشكاله وتوقيته، وفي بعض الحالات مصارفه وشروطه.

فالزكاة ليست كالصدقة، والوقف ليس كالإغاثة العاجلة، وصدقة الفطر ليست كالصدقة الجارية.

وقد يتبرع الإنسان لأنه يبحث عن الأجر، أو يريد أداء الزكاة، أو يرغب في صدقة جارية، أو يشعر بمسؤوليته تجاه محتاج أو قريب أو مجتمع منكوب.

وهذا يفرض على المؤسسة مسؤولية كبيرة.

فلا ينبغي استخدام الخطاب الديني لإثارة الذنب أو الضغط النفسي، كما لا ينبغي تقديم جميع أشكال العطاء باعتبارها متشابهة.

بل يجب توضيح طبيعة التبرع، ووجهته، وكيف سيُستخدم، وما إذا كانت الحملة مؤهلة لنوع معين من العطاء كأموال الزكاة من عدمه.

المواسم الدينية وتوقيت العطاء

يظهر أثر السياق بوضوح في مواسم مثل رمضان والعشر الأواخر والأعياد وذي الحجة، حيث قد تصبح قيم العطاء والتكافل أكثر حضورًا في حياة الإنسان.

هذه المواسم لا تخلق دوافع إنسانية جديدة، لكنها قد تعزز دوافع موجودة أصلًا وتحول النية إلى فعل.

ولهذا فإن التخطيط لجمع التبرعات في المؤسسات العربية والإسلامية يحتاج إلى Fundraising Calendar يفهم المواسم الدينية والاجتماعية، بدل التعامل مع السنة كلها بالطريقة نفسها.


ثالثًا: التعاطف والاستجابة الإنسانية... حين تصبح معاناة الآخر قريبة

من أقوى دوافع العطاء قدرة الإنسان على التعاطف مع الآخرين.

عندما يرى المتبرع طفلًا يحتاج إلى العلاج، أو أسرة فقدت منزلها، أو مجتمعًا يواجه كارثة، تصبح المشكلة أقرب إليه نفسيًا.

لكن التعاطف وحده لا يضمن التبرع.

فالانتقال من:

التأثر → إلى الفعل

يتطلب عادةً وضوح الحاجة، ووجود حل مفهوم، والثقة بالجهة، وسهولة المشاركة، والشعور بأن المساهمة لها قيمة.

وهذا مهم بصورة خاصة في Crowdfunding.

ففي التمويل الجماعي، قد لا يكون المتبرع مرتبطًا مسبقًا بالمؤسسة. وقد يصل إلى الحملة من رابط أرسله صديق، أو منشور اجتماعي، أو شخص أنشأ حملة، أو شبكة مجتمعية.

لذلك تحتاج صفحة الحملة إلى الإجابة بسرعة عن أسئلة بسيطة:

ما المشكلة؟ من يحتاج إلى الدعم؟ ما المطلوب؟ ماذا سيحدث إذا اكتمل التمويل؟ ومن المسؤول عن التنفيذ؟

القصة تجذب الانتباه، لكن وضوح الحل والثقة يحولان الانتباه إلى مشاركة.


رابعًا: الأثر والمعنى... «أريد أن أعرف ماذا صنع عطائي»

لا يريد كثير من المتبرعين أن تختفي مساهمتهم داخل رقم مالي كبير.

إنهم يريدون فهم:

ماذا حدث بعدها؟

كم شخصًا استفاد؟ ماذا تغير؟ كيف استخدمت الموارد؟ وهل استمر الأثر؟

لكن في السياق العربي والإسلامي لا ينبغي النظر إلى الرغبة في الأثر بوصفها بديلًا للدافع الإيماني.

قد يقول متبرع:

«أحتسب الأجر عند الله وأثق بكم.»

وقد يقول آخر:

«أريد أن أعرف النتيجة.»

وقد يجمع ثالث بين الاثنين:

«أريد الأجر، وأريد الاطمئنان إلى أن الأمانة وصلت وأحدثت أثرًا.»

وهنا تصبح الشفافية وقياس الأثر جزءًا من الأمانة في إدارة أموال المتبرعين، لا مجرد مطلب تسويقي.

من العطاء إلى الأثر الممتد

يرتبط البحث عن المعنى أيضًا برغبة الإنسان في ترك أثر يتجاوز اللحظة.

وهذا حاضر بوضوح في مفاهيم مثل الوقف والصدقة الجارية واستمرار النفع.

لذلك قد ينجذب بعض المتبرعين إلى الإغاثة العاجلة، بينما يفضل آخرون التعليم أو تمكين الأسر أو المشروعات المستدامة أو الأوقاف.

المؤسسة الناضجة لا تفترض أن الجميع يبحثون عن النوع نفسه من الأثر.


خامسًا: الهوية والانتماء... عندما يعبر العطاء عن «من أنا»

قد يختار الإنسان قضية لأنها تعبر عن قيمة يرى أنها جزء من هويته.

فمن يؤمن بالتعليم قد ينجذب إلى المنح التعليمية، ومن لديه تجربة شخصية مع المرض قد يهتم بالمشروعات الصحية، ومن يرتبط بمدينة أو قرية أو مجتمع معين قد يعطي لدعمه.

وقد يرتبط العطاء كذلك بالانتماء الديني أو الوطني أو العائلي أو المجتمعي.

فيصبح التبرع أكثر من معاملة مالية؛ إنه تعبير عن:

«هذه قضية تمثل شيئًا أؤمن به.»

وهذه الفكرة مهمة أيضًا في التمويل الجماعي؛ لأن كثيرًا من حملات Crowdfunding تبدأ من دائرة قريبة من صاحب القضية ثم تنتشر إلى دوائر أبعد.

العائلة → الأصدقاء → المجتمع المحلي → شبكات الاهتمام → جمهور أوسع

كلما ابتعدت الحملة عن الدائرة الأولى، أصبحت بحاجة أكبر إلى بناء الثقة وشرح القضية؛ لأن الرابط الشخصي يصبح أضعف.


سادسًا: التأثير الاجتماعي والمجتمعي... الخير الذي نفعله معًا

الإنسان كائن اجتماعي، ويتأثر بسلوك الأشخاص والمجموعات المحيطة به.

وفي كثير من البيئات العربية والإسلامية، قد تمر الثقة والعطاء عبر شبكات اجتماعية قوية مثل:

الأسرة الممتدة، والأصدقاء، والمجتمع المحلي، والمؤسسات المجتمعية، والشخصيات الموثوقة.

قد لا يعرف الشخص المؤسسة جيدًا، لكنه يثق بمن أوصى بها.

وهنا يمكن التمييز بين:

Institutional Trust
الثقة بالمؤسسة نفسها.

و:

Relational Trust
الثقة الناتجة عن العلاقة مع شخص أو شبكة موثوقة.

وهذا عنصر مهم جدًا في التمويل الجماعي.

فعندما ينشئ شخص حملة ثم يبدأ أفراد أسرته وأصدقاؤه بالتبرع والمشاركة، فإنهم لا يقدمون المال فقط؛ بل يمنحون الحملة إشارة اجتماعية بالثقة تساعدها على الانتقال إلى جمهور أوسع.

ولهذا تعتبر المشاركة Sharing جزءًا أساسيًا من ديناميكية التمويل الجماعي، وليست مجرد إضافة تسويقية.

لكن ينبغي استخدام التأثير الاجتماعي بصورة أخلاقية.

«انضم إلى أشخاص يساهمون في تحقيق هذا الهدف»

تختلف جذريًا عن:

«الجميع تبرع، لماذا لم تتبرع أنت؟»

الأولى تبني المشاركة، والثانية تستخدم المجتمع للضغط.


سابعًا: الثقة... الجسر الذي يحول الدافع إلى تبرع

قد تتوافر جميع دوافع العطاء ولا يحدث التبرع.

قد يتعاطف الإنسان مع القضية، ويملك القدرة المالية، ويريد المساعدة، لكنه يتوقف عند سؤال:

هل أثق بمن سيأخذ المال؟

لذلك لا ينبغي اعتبار الثقة دافعًا مثل بقية الدوافع فقط، بل يمكن النظر إليها باعتبارها الجسر الذي يسمح للدوافع بالتحول إلى سلوك.

ويبحث المتبرع عن مؤشرات مثل:

  • من يقف خلف المؤسسة أو الحملة؟
  • من سينفذ المشروع؟
  • كيف ستدار الأموال؟
  • هل المعلومات صحيحة؟
  • هل توجد شفافية في النتائج؟
  • ماذا سيحدث إذا لم يكتمل التمويل؟
  • ماذا سيحدث إذا تجاوزت الحملة هدفها؟
  • هل سأعرف ما حدث بعد التبرع؟

وفي التمويل الجماعي تصبح هذه الأسئلة أكثر أهمية، لأن الثقة قد لا تكون مبنية على مؤسسة يعرفها المتبرع مسبقًا.

ولهذا تحتاج منصات Crowdfunding والمؤسسات التي تستخدمها إلى بناء Trust Architecture واضحة: التحقق، والشفافية، وتوضيح المسؤوليات، والتحديثات، وسياسات التعامل مع الأموال والحملات.


ثامنًا: من الدافع إلى القرار... لماذا يتبرع شخص ولا يتبرع آخر؟

قد يشاهد ألف شخص الحملة نفسها، لكن عددًا محدودًا منهم يتبرع.

وهذا طبيعي.

فقرار العطاء يمكن النظر إليه بصورة مبسطة على أنه نتيجة تفاعل:

الدافع الشخصي + أهمية القضية + القدرة المالية + الثقة + سهولة التبرع + التوقيت + التجربة السابقة + التأثير الاجتماعي

قد يريد شخص المساعدة لكنه غير قادر ماليًا.

وقد يكون آخر قادرًا لكنه لا يثق بالجهة.

وقد يثق ثالث بالمؤسسة، لكن القضية ليست ضمن أولوياته.

وقد يكون رابع مقتنعًا ومستعدًا، لكنه ينسحب بسبب تجربة دفع معقدة.

لذلك لا ينبغي تفسير عدم التبرع دائمًا باعتباره عدم اهتمام.

أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى المزيد من الإقناع؛ بل يحتاج إلى مزيد من الثقة أو الوضوح أو سهولة المشاركة.


تاسعًا: التمويل الجماعي يضيف دافعًا مهمًا... «نستطيع الوصول إلى الهدف معًا»

في التبرع التقليدي قد تكون العلاقة الأساسية:

متبرع → مؤسسة → مشروع

أما في التمويل الجماعي، فيظهر عنصر إضافي:

المجتمع نفسه يشارك في دفع الحملة نحو هدف مشترك.

وهنا تنشأ قوة ما يمكن تسميته بـ الأثر التراكمي.

فالمتبرع الذي لا يستطيع تمويل مشروع كامل يستطيع أن يرى أن مساهمته الصغيرة تنضم إلى عشرات أو آلاف المساهمات الأخرى لتحقيق الهدف.

وهذا يغير السؤال من:

«هل تبرعي الصغير يكفي؟»

إلى:

«هل يمكن لمساهمتي أن تساعد المجموعة على الاقتراب من الهدف؟»

ولهذا فإن عناصر مثل:

  • التقدم نحو الهدف.
  • عدد المشاركين.
  • التحديثات.
  • المساهمات الصغيرة المتراكمة.
  • إمكانية مشاركة الحملة.
  • milestones أو المراحل الواضحة.

يمكن أن تساعد على تحويل العطاء من فعل فردي إلى إنجاز جماعي.

لكن يجب أن تكون هذه المعلومات حقيقية؛ فلا يجوز اصطناع نسب التقدم أو أعداد المتبرعين أو خلق إحساس زائف بأن الحملة على وشك تحقيق هدفها.


عاشرًا: ماذا يعني فهم دوافع العطاء للمؤسسة؟

فهم الدوافع لا يعني استخدامها للتلاعب بالمتبرعين، بل يساعد المؤسسة على تصميم تجربة أكثر ارتباطًا بالإنسان.

1. تصميم رسائل مختلفة

لا توجد رسالة واحدة تناسب الجميع.

قد تركز رسالة على القيمة الدينية، وأخرى على الأثر، وثالثة على الانتماء، ورابعة على الحاجة الإنسانية.

الهدف ليس اكتشاف "الزر النفسي" الذي يجعل الإنسان يدفع، بل التحدث معه من خلال القيمة التي تهمه فعلًا.

2. تصميم تجربة العطاء

يجب أن يستطيع المتبرع أن يفهم بسرعة:

القضية → الحل → الجهة → المبلغ → طريقة الاستخدام → ما الذي سيحدث بعد التبرع.

وفي Crowdfunding يضاف:

الهدف → التقدم → المجتمع المشارك → التحديثات.

3. التواصل بعد التبرع

عملية الدفع ليست نهاية الرحلة.

يحتاج المتبرع إلى:

  • الشكر.
  • التحديثات.
  • معرفة ما تحقق.
  • تقارير الأثر.
  • فهم ما حدث للحملة.
  • فرصة للاستمرار إذا رغب.

4. التعلم من البيانات

بعد كل حملة لا يكفي السؤال:

كم جمعنا؟

بل يجب السؤال أيضًا:

  • لماذا استجاب الناس؟
  • من أين جاء المتبرعون؟
  • ما القضايا الأكثر جذبًا؟
  • ما نسبة من أكملوا التبرع؟
  • كم شخصًا شارك الحملة؟
  • كم متبرعًا عاد مرة أخرى؟
  • ما الذي منع الآخرين من إكمال العملية؟

هنا يصبح جمع التبرعات عملية تعلم مؤسسي مستمر.


الحادي عشر: خريطة عملية لدوافع العطاء

الدافع ما الذي يبحث عنه المتبرع؟ ما الذي ينبغي أن تقدمه المؤسسة؟
القيم والإيمان أداء واجب أو ممارسة قيمة وتحقيق الأجر خطاب ديني وقيمي مسؤول ووضوح نوع التبرع
التعاطف الاستجابة لمعاناة حقيقية قصة تحفظ الكرامة وتوضح الحل
الأثر والمعنى رؤية نتيجة واستمرار النفع نتائج واضحة وتقارير أثر وخيارات مستدامة
الهوية والانتماء دعم قضية تعبر عنه خيارات عطاء مرتبطة باهتماماته
الاجتماعي والمجتمعي المشاركة في خير جماعي مجتمع مشاركة حقيقي دون ضغط
الثقة الاطمئنان إلى المال والتنفيذ شفافية وحوكمة وتحديثات وإثبات للأثر

وفي Crowdfunding تعمل هذه الدوافع غالبًا مع عنصر إضافي:

«مساهمتي جزء من هدف أكبر نستطيع تحقيقه معًا.»

وهذا ما يجعل التمويل الجماعي مختلفًا جزئيًا عن مجرد وضع زر تبرع على موقع المؤسسة.


الثاني عشر: من المتبرع إلى الشريك في الأثر

أحد أهم التحولات التي تستطيع المؤسسات تحقيقها هو إعادة تعريف علاقتها بالمتبرع.

فبدلًا من:

«نحتاج إلى 100 ألف.»

يمكن أن تقول:

«نريد توفير فرصة تعليمية لـ100 طالب، ونحتاج إلى 100 ألف لتحقيق ذلك.»

في الحالة الأولى يصبح المال هو الهدف.

وفي الثانية يصبح الأثر هو الهدف والمال وسيلة لتحقيقه.

وهذا أكثر أهمية في التمويل الجماعي؛ لأن الجمهور يحتاج إلى رؤية الهدف الذي يتجمع حوله، وليس مجرد رقم يجب الوصول إليه.

وبعد التبرع لا ينبغي أن يختفي المتبرع من الرحلة.

فالمتبرع الذي يعرف ماذا حدث، ويرى الأثر، ويشعر بالتقدير، ويثق بالمؤسسة، لديه فرصة أكبر للعودة والمشاركة مرة أخرى.

وهكذا يتحول:

المتبرع → إلى داعم متكرر → إلى عضو في مجتمع المؤسسة → إلى شريك في الأثر.


خاتمة: وراء كل تبرع إنسان

لماذا يتبرع الناس؟

لأن بعضهم يريد الأجر، وبعضهم يستجيب لمعاناة إنسان، وبعضهم يبحث عن أثر، وبعضهم يريد أن يعيش قيمة يؤمن بها، وبعضهم يشعر بالانتماء، وبعضهم يثق بمن دعاه إلى المشاركة، وبعضهم يريد أن يترك نفعًا يستمر بعده.

وفي التمويل الجماعي قد يضاف إلى ذلك شعور آخر:

«ربما لا أستطيع تحقيق الهدف وحدي، لكنني أستطيع أن أكون جزءًا من جماعة تحققه.»

هذه الدوافع ليست منفصلة تمامًا، ولا توجد وصفة واحدة تنطبق على جميع المتبرعين.

كما أن المبادئ الأساسية للسلوك الإنساني لا تتغير جذريًا بين المجتمعات، لكن الدين والثقافة والأسرة والمجتمع والمواسم وشبكات الثقة تمنح العطاء في العالم العربي والإسلامي خصائصه وسياقه الخاص.

ولهذا فإن المؤسسات التي تريد بناء تنمية موارد مستدامة لا يكفي أن تسأل:

«كم جمعنا؟»

ولا حتى:

«كيف نجعل الناس يتبرعون أكثر؟»

بل يجب أن تبدأ بسؤال أكثر إنسانية واستراتيجية:

«لماذا يريد الناس أن يعطوا، وكيف نبني لهم فرصة عطاء تحترم دوافعهم وقيمهم وثقتهم؟»

فالمتبرع ليس محفظة إلكترونية ولا رقمًا في قاعدة بيانات، والمشارك في حملة تمويل جماعي ليس مجرد وسيلة للوصول إلى Target.

إنه إنسان لديه قيم وقصة وأولويات وعلاقات ودوافع.

وحين تفهم المؤسسة ذلك، فإنها لا تصبح أكثر قدرة على جمع الأموال فحسب، بل تصبح أكثر قدرة على بناء الثقة، وتصميم تجربة عطاء أفضل، وتكوين مجتمع من الداعمين، وتحويل المساهمات الفردية الصغيرة إلى أثر جماعي مستدام.